من المناظر الطبيعية الوعرة في ريف أستراليا إلى مطابخ لندن الحائزة على نجوم ميشلان والتي تشهد ضغطاً هائلاً، ثم مطعم نوبو دالاس العالمي، أمضى روس شونهان ثلاثة عقود وهو يعمل على تشكيل هوية في عالم الطهو تجمع الانضباط والجرأة. ويُشتهر هذا الشيف بإحداثه ثورة في مشهد الرامن في لندن من خلال طاقة الروك أند رول السائدة في مطعم بون داديز، وأثناء إدارته عمليات مطعم زوما المتخصص في الشواء. وها هو اليوم ينقل خبرته إلى الإمارات العربية المتحدة.
يشكل مطعم ستروفاير الكائن في فندق قصر الإمارات ماندارين أورينتال الشهير في أبو ظبي، تكريماً مسرحياً لتقليد واراياكي الياباني العريق – أو الطهو على نار القش شديدة الحرارة. إنه مفهوم يعود بفن الطهو الياباني إلى جذوره الأولى، "نار المخيم"، مع الحفاظ على الدقة المتناهية التي أتقنها الشيف شونهان خلال سنوات عمله إلى جانب أساطير الطهو مثل كوجي – صن وطواقم ذا دروشستر.
وفي هذه المقابلة الحصرية، يستعيد شونهان بدايات مسيرته المهنية "غير البراقة" على حد تعبيره – بدءًا من عمله كغاسل أطباق في محل جزارة – ويتحدث عن مساهمة الدروس الأولى، في مجال احترام الموراد والحد من الهدر، في تشكيل فلسفته الحالية. كما يناقش انتقاله من مرحلة العمل المتواصل لسبع ساعات في لندن إلى الفخامة الراقية في أبوظبي. ويوضح سبب اعتقاده، حتى في زمن عرض الأطباق على إنستغرام، أن مهارة الشيف تكمن في قدرته المتواضعة على شحذ السكين واستخدامه.
أسئلة سريعة جداً
ما نوع القهوة المفضل لديك؟ الفلات وايت
أيهما تفضل: طعام الشارع أم الطعام الفاخر؟ طعام الشارع
ما المكوّن الذي لا يحظى بتقدير كبير في المطبخ برأيك؟ الأومامي
ما أفضل نصيحة على الإطلاق تلقيتها كطاه؟ تذوق الأطباق الجديدة كضيف في قاعة الطعام
ما أفضل مدينة في العالم على مستوى الطعام؟ لندن حيث التنوع والجودة، وأوساكا حيث تقدم كل الخيارات اليابانية
ما الوجبة المفضلة لديك والتي قد يشعرك تناولها بالذنب؟ البطّ الصيني المشوي
الخلفية والتدريب
كيف أثرت نشأتك في ريف أستراليا على فلسفتك الأساسية كطاه، وخصوصاً في ما يتعلق بطريقة اختيارك للمكونات وتعاملك معها؟
لأنني نشأت في الريف الأسترالي، أبدي فهماً عميقاً لأصول المكونات ولعمليات إنتاجها. وقد أثرت هذه الخلفية بطريقة لافتة على نظرتي إلى الطهو، حيث أكدت أهمية احترام الموارد والحد من الهدر.
دفعتك مرحلة التدريب إلى مغادرة الريف الأسترالي والتوجه إلى مؤسسات شهيرة مثل ذا دروشستر في لندن. فهل واجهت صدمة ثقافية أو مهنية عند انتقالك من المطبخ الأسترالي إلى بيئة العمل الضاغطة في أبرز المطاعم الإنكليزية؟
من أبرز التغييرات التي واجهتها عند انتقالي إلى المملكة المتحدة كانت ساعات العمل الطويلة في المطاعم. في الواقع، يبدأ العمل عادة عند الساعة 6 مساءً وبحلول وقت انتهائه، أي عند الساعة 1 بعد منتصف الليل غالباً، يصل عدد ساعات الجهد المتواصل إلى سبع. وقد كان هذا المستوى من الكثافة وطول مدة الخدمة أمراً غير مألوف بالنسبة إليّ، حيث لم أختبر هذا الواقع قبل ذلك في المطاعم الأسترالية.
أثناء عملك في أميركا، شغلت منصب الشيف التنفيذي في مطعم نوبو دالاس. فخلال تلك المرحلة الخاصة من مسيرتك المهنية، ما الدرس الحيوي الأبرز الذي أمكنك الاستفادة منه في ما يتعلق بفلسفة الطعام اليابانية والذي يؤثر على عملك حالياً؟
شجعني منصبي الأول كمدير مطبخ على العمل بجدّ حيث تعلمت بسرعة ما لم أكن أتقن فعله. وقد حالفني الحظ حين عملت جنباً إلى جنب مع شيف السوشي الياباني الخبير، كوجي- صن، الذي قدّم لي معلومات كثيرة ترتبط بالمطبخ الياباني بعيداً عن السوشي، وقد تخطت هذه المعلومات قائمة نوبو. كثيراً ما أتذكر أن الحظ حالفني ومكنني من الاستفادة من خبرة هذا الشيف. وما زالت تلك الفلسفة تشكل طريقة تحضيرنا للأطباق في مطعم ستروفاير حالياً.
عدت إلى لندن لتتولى إدارة مطعم زوما. فكيف ساعدك الإشراف على هذا المطبخ الياباني الراقي والعصري على سدّ الفجوة الفاصلة بين التقنيات التقليدية والعلامة المبتكرة التي أطلقتها لاحقاً من خلال بون داديز؟
شكلت إدراة مطعم زوما لندن تحدياً بالنسبة إليّ، إلا أنني أعددت فريقاً قوياً بهدف تعزيز النوعية وزيادة إيرادات المطبخ. وخلافاً لمفهوم نوبو، ركّز مطعم زوما على الشواء وعلى أسلوب أكثر تعقيداً. إلا أن كلا المطعمين علّمني احترام المطبخ الياباني، رغم أن أياً منهما لم يكن تقليدياً تماماً. فقد حرص كلاهما على تحقيق الانسجام بين النكهات اليابانية والأذواق الغربية. وقد نقلنا هذه الأفكار إلى بون داديز الذي يجمع أجواء الروك الكلاسيكية والرامين الرائع.
خلال مرحلة تدريبك المكثف في ثلاث قارات، هل من مدرّب أو طاه تحدّى رؤيتك الإبداعية وشجعك على سرد قصص سفرك من خلال قوائم الطعام؟
رغم أنني لم أتلق أي تشجيع مباشر فيما يتعلق بمشاركة قصصي، إلا أن الحظ حالفني من خلال العمل مع رواد في مجال الضيافة أسسوا بعض العلامات العالمية البارزة. في الواقع، علمني كل منهم الكثير، وقد تركت تلك التجارب تأثيراً كبيراً في مسيرتي المهنية. في النهاية، تشكلت تلك الثقة في تقديم المطبخ الياباني من خلال نظرتي الخاصة، وهو ما ساعد على تأسيس مطعم ستروفاير.
لنتحدث عن ستروفاير
يركز ستروفاير على تقليد واراياكي الياباني، أو الطهو على نار القش. إذاً بعد إتقانك أساليب يابانية متنوعة في نوبو وبون داديز، ما الميزة والنكهة الخاصتان بالطهو على نار القش واللتان يفتقر إليهما مشهد الطهو في أبوظبي؟
كشيف يمتلك خبرة عمل في مؤسسات مثل نوبو وزوما، سعيت دائماً إلى توسيع معرفتي في مجال المطبخ الياباني متجاوزاً تقليد أطباقه وقوائمه المميزة. وقد مكنني التزامي بالبحث والاستكشاف من اكتشاف تقنيات مختلفة في إطار هذا التراث الطهوي.
ووفر اعتماد أسلوب واراياكي لي فرصة إبراز جانب مختلف من فن الطهو الياباني، وهو جانب ما زال غامضاً حتى في اليابان. فقد ساهمت هذه الطريقة في ابتكار نكهة جديدة تذكّر بتحضير الطعام على نار المخيّم، وتنسجم حسب اعتقادي مع الحياة في أبوظبي حيث يشكل التخييم والطهو في الهواء الطلق نشاطاً شائعاً. ولا شك في أن هذه الممارسات الطهوية تعزز الشعور بالترابط وتحيي تقاليد عريقة من خلال الطعام الذي يتم تحضيره على نار مكشوفة.
في حال قام أحد الضيوف بزيارة المطعم للمرة الأولى ورغب في فهم مميزات أسلوب ستروفاير الفريد (بعيداً عن المألوف)، ما الطبق الذي يتعين عليه طلبه– وغير المتوقع ربما – من ضمن قائمة الطعام ليكتشف جوهر هذا المطبخ؟
أرى أن عليه، من دون شك، طلب سلطة الأفوكادو واراياكي الخاصة بنا. فهي تؤكد أن الشواء على النار مباشرة لا يقتصر على اللحوم والأسماك، بل قد يضفي نكهة رائعة على أنواع أخرى من الطعام أيضاً.
يتميز مطبخ ستروفاير بمساحته المفتوحة تماماً وبأجوائه المسرحية اللافتة. فكيف يمكن هذه الرؤية أن تغيّر طريقة إدارتك لفريقك مقارنة مع ما هي عليه الحال في المطابخ التقليدية "المخفية"؟ وهل يدفع حضور الضيوف خلف المنضدة هذا الفريق إلى العمل بدقة عالية المستوى؟
من المهم الإشارة إلى أن الطهاة يظهرون أمام الضيوف بشكل دائم، وأنهم يؤثرون على تجربة الطعام عموماً، ما يجعل الحفاظ على معايير نظافة ومهنية عالية أمراً مهماً، ليس في الكواليس فقط، بل في منطقة خدمة الزبائن أيضاً. ويشمل هذا الخيارات المدروسة المرتبطة بالمعدات، مثل استخدام مزيد من الأواني الخزفية لتخزين الطعام بدلاً من الاعتماد التام على تلك المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ. ومع اطلاع الجمهور المتزايد على بيئات المطابخ، بات كثير من الطهاة يفضلون اليوم العمل في مساحات مفتوحة على مناطق الطعام، ما يساهم في تعزيز التفاعل والشفافية.
إلى جانب الطعام نفسه، يؤدي تصميم المطعم الداخلي والموسيقى دوراً كبيراً في تشكيل تجربة الزوار. فكيف تستغل أجواء وبيئة ستروفاير لتعزيز تجربة ضيوفك؟
بُذلت جهود كبيرة ليروي تصميم المطعم قصة زراعة قش الأرز، ومهرجانات زراعة الأرز، والمساحات الزراعية، إلى جانب عناصر الدقة اليابانية. وتم تقسيم هذا المكان إلى مناطق مختلفة خصصت كل منها لإبراز هذه المواضيع. وتهدف هذه الرؤية إلى إنشاء بيئة طعام غامرة تضمن تأمين تجربة ممتعة لكل الضيوف.
السفر والطعام
إلى أي مدى أثرت أسفارك وتجربتك ثقافات أخرى، برأيك، على نظرتك إلى طرق تحضير الأطباق أو القوائم؟
يؤثر استكشاف الثقافات المختلفة ومطابخها بشكل لافت على طريقة تطوّر الأطباق. وفي ستروفاير، ورغم أننا نعتمد على النكهات اليابانية بشكل أساسي، إلا أننا نرى أنه من الضروري تعديلها لتناسب أذواق جمهورنا. ففي كثير من الأحيان، لا يروق لأصحاب الذوق الغربي وعشاق الطعام الراقي كل ما هو شائع في اليابان.
هل من منطقة محددة في اليابان تتوق إلى استكشافها أكثر من غيرها؟
أرغب في التوجه إلى جنوب اليابان، حيث تصبح الجزر استوائية وحيث تعيش سرطانات جوز الهند التي تتسلق الأشجار.
والآن وقد قررت الاستقرار في فندق قصر الإمارات في أبوظبي، كيف ساهم انتقالك من صخب لندن أو دالاس في تغيير نظرتك إلى مفهوم السفر والطعام الفاخر الذي يقدم للضيف العصري؟
بالنسبة إليّ، تكمن الرفاهية الحقيقية في امتلاك الوقت:
- فرصة قراءة كتاب.
- ممارسة الرياضة.
- الاستمتاع بالمحيط.
- أو بغداء هادئ يوم الثلثاء مثلاً.
- هذا هو جوهر الفخامة، وهذا تحديداً ما يتيحه السفر الفاخر.
نصيحة للطهاة الشباب
ما المهارة الأبرز التي يتعين على الطاهي الشاب امتلاكها خلال العام الأول ضمن مسيرته المهنية الاحترافية؟
تعلم شحذ السكين وكيفية استخدامه. قد يبدو الأمر بسيطاً، إلا أنه يوفر كثيراً من الوقت عند إتقانه.
بدأت مسيرتك المهنية في سن الـ15 في محل جزارة، فما النصيحة التي يمكنك تقديمها للطهاة الشباب في ما يتعلق بتعلم المهارات الأساسية "غير البراقة" قبل السير على طريق الشهرة الإبداعية؟
أشبّه معرفتنا في هذا المجال بتشييد بناء ما – فمدى ارتفاعه يعتمد على متانة الأساس. وبالنسبة إلى الطهاة الشباب، من المهم جداً بذل الجهد المتواصل والالتزام بالانضباط. قد تبدو المهام المتكررة مملة، إلا أنها تشكل أساساً للتعلم الحقيقي وللمسيرة المهنية الثابتة.
انتقلت بنجاح من متدرب إلى مالك مطعم عالمي. فما الخطأ الأكبر الذي يرتكبه الطهاة الشباب حالياً عند سعيهم إلى الانتقال من المطبخ إلى الجانب التجاري في هذا القطاع؟
يعتقد كثر أن الطعام هو الأساس، لكن ما لا يعلمونه هو أنه يمكن الخدمة والأجواء تحسين جودة الأطباق العادية. وهذا ما تثبته الشراكات الناجحة التي نشأت حول العالم. ويبقى الاتساق في هذا السياق أمراً أساسياً.
في عصر تهيمن عليه جماليات مواقع التواصل الاجتماعي، كيف يمكن الطهاة الطموحين ضمان إعطاء الأولوية للنكهة الحقيقية وللتقنية المعتمدة أثناء تحضير الطبق لا لجاذبيته على إنستغرام؟
من المهم أن تكون صادقاً مع نفسك وأن تدعو فريقك إلى تجربة الأطباق، كما إلى تشجيع أفراده على تشارك آرائهم الحقيقية فيما يتعلق بمذاقها. بل من الأفضل أن تذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى تقديم الطعام للزبائن الدائمين ودعوتهم للتعبير عن آرائهم. فالصدق مهم جداً، وإن لم يكن سهل المنال دائماً. لكن يجب إعطاء الأولوية دائماً للنكهة قبل الاهتمام بشكل الطبق وبطريقة ظهوره عبر المواقع الإلكترونية. وإلا، سيأتي إلى مطعمك زبائن لمرة واحدة بدلاً من آخرين منتظمين، ولن تتمكن من بناء مشروع تجاري بهذه الطريقة.
ما النصيحة التي يمكنك تقديمها لمن يرغبون في السير على خطاك وفي إطلاق مشروع عالمي في حال أرادوا اختيار مدينة عالمية أو مطابخ خاصة قد تصقل هويتهم بشكل أفضل في مجال الطهو؟
عندما تطلق مسيرتك المهنية، من المفيد أن تولي اهتماماً كبيراً لاكتساب المعرفة وللتجربة، بدلاً من التركيز على المردود المالي أو المركز فقط. كذلك يتطلب العمل في مدينة عالمية كبرى التضحية والمثابرة الحقيقية، إلا أن الجهود تؤتي ثمارها في نهاية المطاف.
ستروفاير باي روس شونهان
قصر الإمارات ماندارين أورينتال، أبوظبي، الولايات المتحدة الأميركية
للحجز في ستروفاير باي روس شونهان، اضغط هنا








