يُقال إن المعالم الأيقونية الحقيقية لا تدوم فقط، بل تتطور. بالفعل، يشكل بعض الأبنية هوية المدن، فماذا عن برج العرب؟
منذ ديسمبر 1999، أصبح مبنى برج العرب المشيّد على شكل شراع رمزاً للطموح العربي الحديث. وفي الأيام القليلة الماضية، تمّ التأكيد، بعد أشهر من الشائعات والتكهنات في أوساط القطاع، أن مجموعة جميرا عهدت بأول عملية ترميم لبرج العرب الأسطوري إلى مهندس الديكور الداخلي الباريسي، تريستان أوير - وهو الرجل الذي بعث حياة جديدة في أوتيل دو كريون في باريس. والرسالة واضحة لا لبس فيها: لا يشكل المشروع عملية تجديد فقط، بل هو عمل فني دقيق ومتقن يهدف إلى جعل هذه التحفة الفنية تبدو بأبهى حللها.
ومنذ بنائه على أرض جزيرته الاصطناعية على ساحل جميرة، أصبح شراع الفندق المتموج، والذي يشبه شراع قوارب الداو ربما الرمز الأكثر ديمومة وشهرة في دبي، بل في المنطقة التي قامت بخطوات جريئة من خلال إعادة ابتكار وتصوّر ما يجب أن يكون عليه مفهوم الضيافة الفاخرة. ويقع الفندق فوق الخليج العربي حيث يبلغ ارتفاعه 321 متراً، وحيث يزدان بطبقات الرخام، ورق الذهب وكريستال شواروفسكي، ما يعلن للعالم أن هذه الزاوية من شبه الجزيرة العربية لا تخطط للانضمام إلى الفخامة العالمية فقط، بل إلى قيادتها أيضاً.
لذا، يتسم الخبر الذي أعلنته المجموعة في 15 أبريل 2026، بأهمية تاريخية خاصة: تمّ إغلاق جميرا برج العرب.
لا، هو ليس إغلاقاً نهائياً، والقرار ليس عبثياً – فللمرة الأولى منذ افتتاحه قبل أكثر من ربع قرن، سيخضع الفندق لعملية ترميم شاملة ومرحلية تستغرق نحو 18 شهراً. إنها لحظة تاريخية لا تُنسى، بل هي، بكل المقاييس، اللحظة الأكثر أهمية في حياة الفندق منذ يومه الأول.
ترميم لا تجديد
حرصت جميرا على اختيار مصطلحاتها بعناية. فهو ليس تجديداً – الكلمة تتحدث عن شيء كُسر ويحتاج إلى إصلاح. إنها عملية ترميم: عمل دقيق ومدروس يهدف إلى جعل تحفة فنية تبدو في أبهى صورها مجدداً. والتمييز بين المصطلحين مهم جداً، ويعكس النهجُ المتبع ضمن المشروع هذا الاختلاف. وتؤكد جميرا أنه تم تطوير كلّ عنصر من عناصر استراتيجية الترميم بعد تخطيط طويل الأمد، وعقب 25 عاماً من التشغيل المتواصل – إنه إذاً قرار مدروس بتأنٍ.
ومن المقرر أن يكون نطاق المشروع شاملاً. وهكذا سيتم العمل في كل مساحة داخل الفندق – الأجنحة الكبيرة، المطاعم الشهيرة، والمرافق الترفيهية – وسيتم الارتقاء بها. ورغم هذا فإن مبدأ المشروع الأساسي هو الحفاظ على طابع الفندق إلى جانب تطويره: بالفعل، لن يتم إخفاء الطابع المميز الخاص ببرج العرب، من فخامته الباذخة إلى مكانته الراسخة في منطقة الخليج، بل سيتم تعزيزه. إذاً لن يجري تجاهل ثريا الفندق المصنوعة من 210 أنابيب من الكريستال، ومساحاته الواسعة المزينة بالرخام الموضوع يدوياً، وتفاصيله المصممة من ورق الذهب، بل من المقرر إبرازها وترميمها لتكتسب بريقاً يليق بطموح المكان الأصلي المذهل الذي يعود إلى أكثر من 25 عاماً.
مهندس معماري يقود عملية التحول
لتحقيق هذا الهدف، اتبعت جميرا استراتيجية اختيار دقيقة، وعهدت بتنفيذ المشروع، في نهاية المطاف، إلى المهندس الداخلي المقيم في باريس، تريستان أوير. وبالنسبة إلى قطاعي الضيافة والهندسة المعمارية يُشكل هذا القرار والاختيار دليلاً قاطعاً على مستوى الدقة والذكاء الذي يتطلبه المشروع.
بالفعل، اكتسب أوير شهرة عالمية في مجال ترميم أماكن الضيافة الفاخرة. وقد رسّخ عمله في أوتيل دو كريون، القصر الباريسي العريق الذي يعود بتاريخه إلى القرن الـ18 والذي يقع في ساحة كونكورد، مكانته كأحد أبرز المتخصصين في فن تجديد المعالم التاريخية بدقة متناهية من دون المساس بقيمتها. فقد حوّل هذا المشروع الذي بلغت كلفته 176 مليون يورو والذي استغرق تنفيذه أربع سنوات من العمل الدؤوب، فندق كريون إلى ما يعتبره الكثيرون اليوم أفخم فندق قصر في أوروبا، علماً أنه تم الحفاظ على جوهره الأصلي.
وانطلاقاً من فلسفة تصميمية تستند على مبادئ وقيم وثقة تتناغم والهوية المهيبة لبرج العرب وشهرته العالمية، أكد أوير دائماً أن الفخامة لم تعد استعراضاً للثروة والبذخ، بل أصبحت ترتبط بالمساحات التي تخاطب الضيوف. نعم، أضحت الفخامة حالياً تجربة مصممة لتناسب كلّ فرد، لا مجرّد مفهوم عام.
وفي هذا السياق قال المهندس: "لا يهتم الناس بالمنتجات الفخمة بل باللحظات الفاخرة"، مضيفاً: "حين تبني شيئاً ما في مجال الضيافة، فإنك تخلد إرثاً للمستقبل يرسّخ ذاكرة الضيوف وتجاربهم". وتمثل فكرة الفخامة هذه فلسفة تتفق بسلاسة وذوق المسافر الخليجي المميز، أي الضيف الذي لا يحتاج إلى مَن يخبره أن شيئاً ما باهظ الثمن، بل الذي يرغب في الشعور بأن هذه اللحظة والتجربة صممت خصيصاً له.
إعادة تقييم مبنى أيقوني (من أجل الأجيال المقبلة)
لطالما شغل برج العرب مكانة مهمة في مخيلة المسافرين من السعودية والإمارات بل من دول الخليج عموماً. فقد كان، بالنسبة إلى جيل كامل، الوجهة أو المعيار الذي يتم اعتماده لقياس أهمية الفنادق الأخرى، والمكان الذي شكل عنوان ثراء المنطقة، ووضعها على خريطة الضيافة الراقية وعزز طموحها الدؤوب لريادة العالم في مجال الإقامة الفاخرة.
وهكذا أصبح مهبط طائرات الهليكوبتر في برج العرب مسرحاً لعدد من الأحداث الرياضية التاريخية التي لا تُنسى، من مباراة التنس الأسطورية التي جرت بين روجيه فديرير وأندريه أغاسي في العام 2005، إلى هبوط طائرة ريد بول الخاصة على منصة يبلغ عرضها 27 متراً وذلك بعد عامين من التخطيط والاختبار. وعلى ارتفاع 212 متراً فوق مستوى سطح البحر، امتد مهبط الطائرات منطلقاً من المبنى، علماً أنه شهد تنظيم العديد من الحفلات والمعارض والفعاليات العالمية التي رسخت هوية الفندق، ليس كمكان إقامة فقط، بل كمركز للتميز أيضاً.
كان هذا الصرح الأسطوري، الذي يزين أفق دبي دائم النمو، وما زال، بالنسبة إلى الكثيرين، تجسيداً للطموح والروعة والفخامة الفائقة. لكن، كيف يمكن عملية الترميم هذه أن تقدّم هذه الوجهة الأيقونية للجيل التالي؟ فمن غير الممكن التفكير بأنه يمكن وجهات مثل برج العرب الصمود ببساطة، فحتى أروع الأعمال الفنية العالمية تخضع للترميم والعناية، ثمّ تعود في النهاية بحلّة جديدة وتبدو أكثر روعة مما كانت عليه في السابق.
وهذا ما عبّر عنه الرئيس التنفيذي لمجموعة جميرا، طوماس بي ماير، بقوله: "فصل جديد في قصة جميرا برج العرب – فصل سيحافظ بعناية على تراث ما يعتبر حالياً المبنى الوحيد ضمن مجموعتنا المحدودة من عناوين جميرا المميزة". وبالنسبة إلى أولئك الذين جعلوا من برج العرب جزءًا من حكايتهم الخاصة، والذين احتفلوا بإنجازاتهم في هذا المكان، والذين يعودون إليه كل عام تعبيراً عن ولائهم لمفهوم التميّز، يعتبر هذا المشروع ترسيخاً للتفاؤل والطموح.
ومن المتوقع أن تنتهي عملية الترميم في العام 2027، وهو تاريخ يحمل في طياته موعداً مع افتتاح تاريخي. وعندما يعيد برج العرب فتح أبوابه مجدداً، سيشكل الحدث تتويجاً لبرنامج وصفه قيّمون عليه بأنه أكبر مشروع ترميم منفرد في قطاع الضيافة في تاريخ المنطقة. وأياً كان ما تخيله تريستان أوير وفريق جميرا في تلك الاستوديوهات وورش العمل، تشير كل الدلالات إلى أنه سيكون مشروعاً استثنائياً.
فيما يرتاح البرج
يمكن النزلاء الذين حجزوا إقامة سارية المفعول خلال مدة الإقفال الاستمتاع بخيارات عدد من فنادق مجموعة جميرا الفاخرة والقريبة والواقعة على ساحل دبي الشهير نفسه: فندق جميرا بيتش، فندق جميرا القصر، فندق جميرا النسيم، وفندق جميرا مرسى العرب الذي تم افتتاحه مؤخراً والحائز على جائزة LIST، حيث يشكل كل منها تعبيراً فريداً عن فلسفة الضيافة التي تتبناها جميرا.
وجاء في بيان أصدرته مجموعة جميرا بشأن عملية الترميم: "سيعود برج العرب ليقدم لضيوفه تجربة متكاملة تجمع الفخامة العصرية والتراث الثقافي والإرث المعماري الذي جعله رمزاً لطموح دبي".
جميرا برج العرب: مغلق حالياً، ومن المنتظر أن يفتح أبوابه مجدداً بحلول العام 2027








